ابن عربي
231
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
ففعلوا ذلك ، وبنوها بساف من حجارة ، وساف من خشب بين الحجارة ، حتى انتهوا إلى موضع الركن ، فاختلفوا في وضعه ، وكثر الكلام فيه ، وتنافسوا في ذلك . فقالت بنو عبد مناف وزهرة : هو في الشق الذي وقع لنا ، وقالت تميم ومخزوم : هو في الشق الذي وقع لنا ، وقالت سائر القبائل : لم يكن الركن ممن استهمنا عليه ، فقال أبو أمية بن المغيرة : يا قوم ، إنما أردنا البرّ ، ولم نرد الشر ، ولا تحاسدوا ، ولا تنافسوا ، فإنكم إذا اختلفتم تشتت أمركم ، وطمع فيكم غيركم ، ولكن حكّموا بينكم أول من يطلع عليكم من هذا الفجّ . قالوا : رضينا وسلمنا . فطلع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : هذا الأمين وقد رضينا به ، فحكّموه ، فبسط رداءه ثم وضع فيه الركن ، فدعا من كل ربع رجلا ، فأخذوا أطراف الرداء ، وكان في الرّبع الأول عبد مناف بن عتبة بن ربيعة ، وكان في الرّبع الثاني أبو زمعة الأسود وكان أسنّ القوم ، وكان في الرّبع الثالث العاص بن وائل ، وفي الرّبع الرابع أبو حذيفة بن المغيرة ، فرفع القوم الركن ، وقام النبي صلى اللّه عليه وسلم على الجدار ، ثم وضعه عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة ، وذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي صلى اللّه عليه وسلم حجرا يشدّ به الركن ، فنحى النبي صلى اللّه عليه وسلم الرجل النجدي ، فغضب النجدي حيث نحي . فقال النجدي : وا عجبا لقوم أهل شرف وعقل وسن وأموال ، عمدوا إلى أصغرهم سنا وأقلهم مالا فرأسوه عليهم في مكرمتهم وحرزهم ، كأنهم خدم له ، أما واللّه ليفوتنهم سبقا ، وليقمن عليهم حظوظا وحدودا ، وإن ذلك النجدي كان إبليس لعنه اللّه ، ثم بنوا حتى بنوا أربعة أذرع ، ثم كسوها ، وبنوا حتى بلغ ارتفاع البيت ثمانية عشر ذراعا ، زادوا التسعة أذرع على بناء إبراهيم ، وجعلوا سقفها مسطحا ، وأقاموا سقفه على ستة دعائم في صفين ، وبنوا درجة من خشب في بطنها من الركن الشامي ، يصعد بها إلى سقف البيت ، وزوّقوا البيت ، وصوّروا الأنبياء والشجر والملائكة ، وجعلوا لها بابا واحدا وكسوها من الحبرات اليمانية . روينا من حديث الخطابي قال : أخبرني أبو الطيب طبطب الوراق ، عن محمد بن يوسف النحوي قال : حدثني بعض مشايخنا قال : ركبت في سفينة ومعنا شاب من العلوية ، فمكث معنا سبعا لم نسمع له كلاما ، فقلنا له : يا هذا ، قد جمعنا اللّه وإيّاك منذ سبع لا نراك تخالطنا ، ولا نراك تكلمنا ، فأنشأ يقول : قليل الهمّ لا ولد يموت * ولا أمر يحاذر أن يفوت قضى وطر الصّبا فأفاد علما * فغايته التفرّد والسكوت